طفل يكبر ستين عاما بقلم الشاعر المتألق طاهر الذوادي


 طفل يكبر ستين عاماَ

يستجمع حبّات الذاكرة 

عليه أن يتذكر

و يده على صدره العميق

عليه أن يتذكر  وجه الغيمة

قالت عنه ما قالت

قالت أنها تحبّه

تحب سمرته الجريئة

تحب شكل أصابعه الصنوبرية 

و هي تلتقط حرف الراء من تحت السطر

و تلاحق حرف الضاد حتى آخر الشهيق

تحب عينيه.. كلما صادفتا عينيها

تشعان بذلك اللهب الفريد و الجموح المخيف

الآن

وقت الغيم

وقت المدينة الملتحفة

وقت الدروب بين النوافذ المفتوحة

و القناديل في عيون الطيف تنظر و ترى

كيف تشي الدهشة بالشهقة

و تبقى الأفكار راسية في الريح

لا هي تكسرها بقبلة

و لا هو يتناولها بلهفة

ليسحق أحراش العتمة

و يستريح

الآن 

نعم الآن

وقت تجوال الروح

أريد أن ألوذ بما أريد 

أنا الآن أسير الإصغاء

أختلط بوحدتي

أتبتّل أمام غيمات الفساتين

و الظمأ العنيف

أتجرّع الغواية قليلاً ... قليلاً ...

كي أصدق أنني نهر

و أرمي بكل ما بي

على بحر يجرّني من وجهي

لا يلزمني أي شيء أبداً

حتى قلبي صار شارعاً 

يرقص في نبضه

أتذكر يوم ما كان فارغا

من الشمس و الصباحات

يوم ما كان يضرم النار

في أضلاع النوافذ

و يعود بالسّواد 


طفل يكبر

في معطفي الأسود 

كعطر عالقٍ بمزاج طلقة

يذكرني برائحة التراب

و لون الياسمين

و شكل عباد الشمس

مما يجعلني أريد أن أموت 

هنا 

بحضن غرفة نوم

 لامرأةٍ وحيدة باغتها العمر بغمرة جنون

جنونُ واعي لا يُفسَّر

جنونُ رائي و مرئيُّ و مرويُّ بقبلة

قبلَ أن يفرَّ هذا العالمُ من ضجيجِه نحو العدم 

أريدُ أن أكونَ جزءاً من بدايةِ لا تهرب

أريدُ أن أُمسِكَ خيوطَ الشمسِ 

و القمرِ و الكواكبِ 

و القلوب المائلة للسّراب الرّطب

و وصايا السّحابِ المسافرِ

وأربطُها بكفّي  

أريد أن أعيدَ المياهَ إلى فطرتِها الأولى 

و كلَّ من ماتوا في الحياةِ 

حيث الضوءُ يأبى أن يلوِّثَ ذاته بظلمةِ الحقائق

حيث الطفل الماثل بي

عاكفًا 

معتَّقًا 

مترعًا 

بكأس مفرطة باللذة


  -  طاهر  -

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا عازف العود… .. الشاعر والمبدع علي جابر الكريطي

يا ساقي الورد لطفا بقلم الشاعر هشام كريديح

الشاعر عبد الله اسماعيل///يا نشوة الروح يا روحي وريحاني