تعلم الخوف /للشاعر حامد الغريب
تعلَّمَ الخوفُ منكِ الأحترام
*********
لَوْ مَشَيْتِ عَلَى المَاءِ!! لَتَبَلَّلَ المَاءُ مِن حُسْنِكِ، وَانْحَنَى لِخُطُواتِكِ كَأَنَّكِ شَرِيعَةٌ جَدِيدَةٌ تُعِيدُ تَعْرِيفَ الطَّبِيعَةِ.
أَنْتِ لَسْتِ امْرَأَةً تَعْبُرُ الأَشْيَاءَ، بَلِ الأَشْيَاءُ هِيَ الَّتِي تَتَبَدَّلُ حِينَ تَمُرِّينَ بِهَا!!
كَأَنَّ الكَوْنَ حِينَ صَاغَكِ نَسِيَ أَنْ يَضَعَ لَكِ قَانُونًا… فَصِرْتِ اسْتِثْنَاءً يَمْشِي عَلَى هَيْئَةِ بَشَرٍ.
فِي حَضْرَتِكِ، لَا يَعُودُ الحُبُّ شُعُورًا عَابِرًا، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى نِظَامٍ كَوْنِيٍّ خَفِيٍّ، وَإِلَى فَوْضَى مُنَظَّمَةٍ تُعِيدُ تَرْتِيبَ القَلْبِ مِنَ الدَّاخِلِ دُونَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَحَدًا.
لَهِيبُكِ لَيْسَ نَارًا تُرَى… بَلْ تَنُّورٌ لِلْقِيَامَةِ دَاخِلَ صَدْرِي، أَخْبِزُ فِيهِ أَيَّامِي، وَأَضَعُ وَجْهِي فِي دُخَانِ الانتِظَارِ، كَأَنِّي أَتَعَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ كَيْفَ أَكُونُ مُشْتَعِلًا دُونَ أَنْ أَنْطَفِئَ.
أَشْعَلْتِ قَصَبَ عُمْرِي عَلَى طِينِ صَمْتِكِ، فَصَارَ الطِّينُ نَبِيًّا صَغِيرًا يَتْلُو عَلَيَّ دُرُوسَ الصَّبْرِ، وَصَارَ الصَّمْتُ مَدِينَةً بِلَا خَرَائِطَ، لَكِنَّهَا تَعْرِفُ طَرِيقَهَا إِلَيْكِ وَحْدَكِ، كَأَنَّ كُلَّ الطُّرُقِ خُلِقَتْ لِتَلْتَفَّ حَوْلَ اسْمِكِ ثُمَّ تَعُودَ إِلَيْهِ.
وَحِينَ أَذْكُرُ اسْمَكِ… تَتَرَاجَعُ هَوَاجِسُ خَوْفِي خُطْوَةً إِلَى الوَرَاءِ، كَأَنَّ الخَوْفَ نَفْسَهُ يَتَعَلَّمُ الاحْتِرَامَ مِنْكِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
تَصْمُتُ دَاخِلِي العَوَاصِفُ، تَسْتَكِينُ الرِّيحُ كَأَنَّهَا أَخْطَأَتْ فِي حُضُورِكِ، تَعْتَذِرُ دُونَ أَنْ تَتَكَلَّمَ.
اعْتَزَلْتُ قَوَانِينَ الجَاذِبِيَّةِ مُنْذُ أَبْصَرْتُكِ، فَلَمْ أَعُدْ أَسْقُطُ نَحْوَ الأَرْضِ… بَلْ نَحْوَكِ.
نَحْوَ عَيْنَيْكِ اللَّتَيْنِ لَا تُشْبِهَانِ شَيْئًا، إِلَّا احْتِمَالَ النَّجَاةِ وَالضَّيَاعِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
هُنَاكَ… تَتَوَقَّفُ المَعَادِلَاتُ، وَتَنْهَارُ الفِيزْيَاءُ أَمَامَ أَبْسَطِ مُعْجِزَةٍ: نَظْرَةٍ مِنْكِ!!
فِي لَيْلِي، لَا يَنَامُ الشَّوْقُ، بَلْ يَفْتَحُ مَوَاقِدَهُ بُطْئًا، كَأَنَّهُ طَقْسٌ قَدِيمٌ لَا يَعْرِفُ التَّوَقُّفَ.
كُلَّمَا جَنَّ اللَّيْلُ، يَبْدَأُ دَاخِلِي احْتِرَاقٌ هَادِئٌ، لَا يُوجِعُنِي قَدْرَ مَا يُعَلِّمُنِي كَيْفَ أَكُونُ أَقْرَبَ إِلَيْكِ مِنْ نَبْضِي.
أَغْتَصِرُ مِنْ لِقَاكِ حَلِيبَ البَلَابِلِ، كَأَنَّ الفَرَحَ لَا يُسْتَخْرَجُ إِلَّا مِنْ صَوْتِ طَائِرٍ يَتْقِنُ الغِنَاءَ فَوْقَ حَنْجَرَةِ المَسَاءِ.
كَأَنَّ الحَيَاةَ فِي أَبْسَطِ صُوَرِهَا لَيْسَتْ إِلَّا جُرْعَةً مِنْكِ تُشْرَبُ بُطْئًا لِكَيْ لَا تَنْتَهِي.
حِينَ خَلَقَكِ اللهُ، لَمْ يَكْتَفِ بِجَمَالِكِ… بَلْ تَرَكَ فِيكِ أَثَرَ سُؤَالٍ أَبَدِيٍّ، وَجَعَلَنِي أَنَا الإِجَابَةَ الَّتِي لَا تَهْدَأُ.
كَتَبَ عَلَى جَبِينِي أَنَّكِ مَعْرَكَتِي الكَوْنِيَّةُ، لَا لِأَنَّكِ خَصْمِي… بَلْ لِأَنَّكِ كُلُّ الجِهَاتِ الَّتِي أَضِيعُ فِيهَا وَأَجِدُ نَفْسِي مَعَهَا!!
مَا اهْتَزَّ فِيَّ عُمْرٌ قَطُّ، وَلَا ارْتَبَكَ الدَّاخِلُ، إِلَّا حِينَ مَرَّ عِطْرُكِ فِي مُحِيطِ أَنْفَاسِي، فَشَعَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَيًّا كَمَا ظَنَنْتُ، بَلْ كُنْتُ مُجَرَّدَ انْتِظَارٍ طَوِيلٍ لِمُرُورِكِ.
هَكَذَا أُحِبُّكِ… لَا كَحَدَثٍ عَابِرٍ، بَلْ كَقَانُونٍ خَفِيٍّ يُعِيدُ تَشْكِيلَ وُجُودِي كُلَّ مَرَّةٍ، كَأَنَّكِ لَسْتِ فِي حَيَاتِي… بَلْ حَيَاتِي هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تَكُونُكِ…
تعليقات
إرسال تعليق